حلل مركز أبحاث مغربي اختلالات الحكامة التي شابت تدبير الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أنه على الرغم من النجاح الذي تم تسجيله على مستوى إنقاذ الأرواح، إلا أن الأزمة “كشفت عن فجوات هيكلية في منظومة الحكامة المائية وإدارة المخاطر، حوّلت حدثًا مناخيًا إلى أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة” وفي مقدمتها غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة في منح رخص البناء بالمناطق المهددة.
واستعرض “المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة” عدة اختلالات شابت تدبير السلطات العمومية لهذه الكارثة الطبيعية، مسلطاً الضوء على نقطة التعمير ومناطق الخطر، معتبراً أنها “الفجوة الأخطر على المدى الطويل”، وواصفاً إياها بـ”صناعة الكوارث المؤجلة”.
وجاء في الورقة البحثية الصادرة عن المركز حديثا بهذ الخصوص، والتي اطلعت عليها جريدة “مدار21″؛ أن “استمرار منح رخص البناء في مناطق مصنفة كـ”فيضانية” أو على مقربة من مجاري الأودية هو بمثابة استثمار ممنهج في كوارث مستقبلية”.
ولفتت الورقة إلى أن “غياب الرقابة الصارمة والمحاسبة يحوّلان وثائق التعمير إلى حبر على ورق، ويُفاقمان من حجم الخسائر المحتملة في أي أزمة قادمة”.
كما شددت على أنه “لا يمكن فصل سياسات التعمير عن إدارة المخاطر؛ يجب أن تصبح خرائط المخاطر وثائق إلزامية وحاكمة في منح رخص البناء، مع تفعيل مبدأ “الملوّث/المعرِّض للخطر يدفع” في تخطيط المدن”.
ودفع المركز بأن نجاح إدارة المخاطر يتطلب سلسلة مسؤولية واضحة؛ “من يمنح رخصة بناء في منطقة خطر؟ من لم يقم بصيانة منشأة حماية؟ من لم يفعّل آلية تعويض؟ ربط المسؤولية بالمحاسبة هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار نفس الأخطاء”.
ومن جانب آخر، اعتبرت الورقة التحليلية أن التدبير نجح في إظهار قدرة تشغيلية عالية على التعبئة والإجلاء تحت الضغط، مدعومة بتضامن مجتمعي قوي، “لكن في المقابل، برزت اختلالات هيكلية تتطلب معالجة استراتيجية، أبرزها: ضعف الوقاية البنيوية (شبكات التصريف ومنشآت الحماية)، وغياب تواصل استباقي حول القرارات التقنية الحرجة (مثل إطلاقات السدود).
كما لفتت الانتباه إلى تأخر تفعيل مساطر التعويض الواضحة، وهشاشة نماذج حماية سبل العيش في العالم القروي، إضافة إلى استمرار تحديات التعمير في مناطق الخطر.
وخلص الباحثون إلى أن نجاح تدبير فيضانات أواخر يناير 2026 لا يُقاس فقط بغياب الخسائر في الأرواح داخل محيط الإجلاء “بل بالقدرة على تفعيل منظومة قيادة وسيطرة أثبتت فعاليتها تحت ضغط عامل الزمن”.
