بين ارتفاعات سعرية متتالية ونقص متكرر في بعض الأصناف، يواجه أصحاب الأمراض المزمنة، واقعًا صعبًا يضعهم “بين المطرقة والسندان”، في ظل وصول أسعار بعض الأدوية إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 100 ألف جنيه للعبوة الواحدة، إلى جانب تراجع توافرها في الصيدليات، ما يدفع بعض المرضى للجوء إلى بدائل قد لا تتناسب مع حالتهم الصحية، بما يحوي بأن العلاج أصبح متاحا لمن “يشخلل” أكثر حتى يتمكن من إنقاذ حياته.
ارتفاعات تعكس خللًا في إدارة الملف
وقالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة نيفين إسكندر، إن الارتفاع المتكرر في أسعار أدوية الأمراض المزمنة يعكس حالة من العشوائية في إدارة ملف الدواء، رغم كونه أحد الملفات القومية الحيوية المرتبطة بالأمن الصحي للمواطنين.
وأضافت إسكندر في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن هناك تعثرات مستمرة في توفير الأدوية الأساسية، إلى جانب بطء خطوات توطين صناعة الدواء محليًا، رغم المطالبات البرلمانية المتكررة بضرورة وضع هذا الملف ضمن أولويات الحكومة.
نقص مستمر وسوق سوداء
وأشارت إسكندر، إلى أن أزمة نقص الأدوية وارتفاع أسعارها ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لسنوات، موضحة أن الحكومة أعلنت خلال العامين الماضيين، نقص 580 صنفًا دوائيًا، ثم أعلنت لاحقًا توفير 470 صنفًا فقط، ما يعني استمرار غياب أكثر من 110 أصناف من السوق.
وأكدت أن هذا النقص يدفع المواطنين للبحث عن احتياجاتهم العلاجية في السوق السوداء، حيث تباع بأسعار مرتفعة، خاصة أن كثيرًا من هذه الأدوية مستورد، ما يزيد من تأثرها بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الاستيراد.
اعتماد واسع على الاستيراد
ولفتت عضو لجنة الصحة، إلى أن أسباب ارتفاع أسعار الأدوية تعود إلى اعتماد الصناعة المحلية بنسبة تصل إلى 90% على المواد الخام المستوردة، وبالتالي أي اضطراب عالمي في سلاسل الإمداد أو محلي في توفير العملات الأجنبية ينعكس مباشرة على سوق الدواء.
وبيّنت عضو مجلس النواب، أن مصر تستورد سنويًا ما يقرب من 2 مليار دولار مواد خام تدخل في صناعة الأدوية، إلى جانب نحو 600 مليون دولار أدوية تامة الصنع، ما يجعل السوق عرضة للتقلبات في حال حدوث ضغوط على العملة الأجنبية أو تعطّل في عمليات الاستيراد.
مرضى تحت الضغط
وقالت إسكندر، إن تداعيات نقص الأدوية وارتفاع أسعارها تنعكس بشكل مباشر على المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج منتظم ودائم، موضحة أن بعض المرضى يضطرون إلى استخدام أدوية مجهولة المصدر أو غير ملائمة لحالتهم الصحية بسبب ارتفاع التكلفة أو غياب البدائل المناسبة.
كما أشارت إلى أن بعض الأدوية المتاحة ضمن منظومة التأمين الصحي قد لا تكون الأنسب طبيًا لبعض الحالات، إلا أن المرضى يلجؤون إليها لعدم قدرتهم على تحمّل أسعار البدائل أو لعدم توافرها.
مقترحات للحل
وأكدت النائبة ضرورة اتخاذ إجراءات واضحة لحماية المرضى، من بينها إعلان معلومات شفافة من جانب وزارة الصحة وهيئة الدواء حول الأصناف التي تعاني نقصًا وأسباب ذلك، مع توضيح البدائل المتاحة بشكل رسمي.
وطالبت أيضًا بإطلاق حملات توعية تستهدف المرضى لتعريفهم بالبدائل العلاجية المعتمدة عند عدم توافر الدواء الأصلي، مشددة على أن الحل الاستراتيجي يكمن في توطين صناعة الدواء محليًا لتقليل الاعتماد على الاستيراد وضمان استقرار الأسعار، مع استمرار دعم منظومة التأمين الصحي لتغطية شريحة واسعة من الأدوية.
وأشارت إلى أن لجنة الصحة بمجلس النواب ستستضيف رئيس هيئة الدواء يوم الاثنين المقبل لمناقشة عدد من طلبات الإحاطة المقدمة من النواب، مع عزمها تقديم طلب مناقشة عامة بشأن سياسات الدواء وتوطين صناعته، بما يحقق استقرار السوق ويحمي حقوق المرضى.
مطالب بإجراءات عاجلة
من جانبه، أكد عضو مجلس الشيوخ، محمد إبراهيم موسى، أن الزيادات المتتالية في أسعار أدوية الأمراض المزمنة تمثل تحديًا حقيقيًا أمام ملايين المرضى، لافتا إلى تقارير رصدت ارتفاعات سعرية حديثة تتراوح بين 20% و30% لعدد من الأدوية الحيوية المرتبطة بعلاج السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
وأوضح موسى، أن بعض الأدوية مرتفعة التكلفة قد يصل سعرها في السوق غير الرسمية إلى أكثر من 100 ألف جنيه للعبوة الواحدة، في ظل نقص المعروض وسوء التوزيع، رغم توافرها داخل الجهات الحكومية بأسعار أقل، ما يستدعي إعادة النظر في منظومة التسعير وسلاسل الإمداد لضمان وصول الدواء إلى مستحقيه بشكل عادل ومنتظم.
ودعا عضو مجلس الشيوخ إلى مناقشة السياسات الحالية الخاصة بتوفير الأدوية الأساسية، وبيان الإجراءات التنفيذية التي تكفل استدامة الإتاحة ومنع حدوث نقص مفاجئ في الأصناف الحيوية، بما يحفظ حق المريض في العلاج الآمن والمستمر.
وفي الوقت ذاته، أشاد موسى، بالتطور الذي يشهده قطاع صناعة الدواء المصري خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن حجم الإنتاج السنوي يصل إلى نحو 3.6 مليار عبوة دوائية بقيمة سوقية تتجاوز 190 مليار جنيه، مع قدرة الصناعة المحلية على تغطية قرابة 93% من احتياجات السوق.
اقرأ أيضًا:
كيف يراقب أصحاب الأمراض المزمنة صحتهم في رمضان 2026؟
